لنستعدَّ لمرحلة ما بعد "كوفيد 19" - vitapsy

vitapsy

ننشر الأمل في زمن الأزمات

لنستعدَّ لمرحلة ما بعد "كوفيد 19"

Share This
البروفسور جان داوود

مِمّا لا شك فيه أن الإعلاميين بأغلبهم أحرار، وأصحاب كلمة حرّة، وأصحاب مناقبية، ويمارس أغلبهم مهنته بشفافية. وأغلب من يكتبون أو يتحدّثون عبر منصّات التواصل مدفوع بحماسة وصدق ورغبة في مساهمة ما في خدمة المجتمع. ولكن، ماذا لو أن المعلومات التي توضع بين أيدي بعض هؤلاء مُصنَّعة؟
ألا يكون قد تم استغلالهم لحمل رسائل هُم صادقون في نقلها، لكنّ مَن زودهم بها أو زوّد من زوّدهم بها عبثَ بالمعلومة؟ ه
ناك من دون شك في مناطق القرار وصناعة الأحداث كواليس لصناعة الإعلام، والترويج، وغسل الأدمغة، وتحضير الأرض الخصبة لزرع الأفكار، والتسبب بيباس الزرع لتدبّ فيه النار هشيماً خلال لحظاتٍ عندما يقررون.
وزارات الحروب على أنواعها تعرف أنّ الحروب اقتصاد، والسلاح الأقل كلفة هو الشائعات والإعلام ووسائل التواصل المختلفة. ونستشفّ طرقهم من إعلاميّ متمرّس وحصين في كلامً عن ترويجهم للأفكار: يهمس ملحق إعلامي ما لأحدهِم: أُسرّ لك بأمر لن يعرفه سواك ويضيف المعلومة المطلوب أن يتمّ التسويق لها. أو يهمس لك: ما لا يعرفه الجميع ونحن نعمل عليه هو، ويضيف المعلومة التي يرغب في أن يسوّق.
وأحياناً يسألك: هل فعلاً ستكون هناك حرب عالمية ثالثة؟ ماذا تعتقد؟ فتتساءل: لِمَ هذا السؤال؟ وهل المفروض بي أن أعرف أسرار الدّول ومشاريعها الحربية؟ ثمّ يحملك إلى إجابة يمهّد لها ويجرّك إليها فتخرج من لدنه صاحب نظرية وقناعة أنّ الحرب حاصلة لا محالة، وتدافع عن نظريتك (وهي نظريته) بحماس، وتروّج لفكرة الحرب، أو تروّج لفكرة ضد الحرب، وفي الحالين أنت تخدم هدفه.
الحاصل اليوم في بعض منصّات التواصل والإعلام ترهيب مستتِر يواكب الحرب التي تخوضها البشرية ضد كوفيد 19 وحلفائه. ففي الكواليس دسّ لفكرة حرب عالمية ثالثة (تحصل خلال عام أو أكثر بقليل). أنا أكتب لأدحض هذه الفكرة، ليس لأنّي أرفض الحرب وأعلن الحرب على كلّ حرب رغبة في السلام العالمي والرفاه والكرامة الإنسانية. وليس لأنّه يجب ألا تكون هناك حروب. إنّما أعتقد أنّ ليس هناك من حرب لأنّ الحرب العالمية الثالثة قد حصلت ، ونحن في ذيول لها، اللاعبون في مراحل تقاسم الغنائم، وربما في خلاف على التقاسم. ولن تكون هناك حرب، لأنه ليس هناك مِن راغب في أن يخسر الحرب؛ يعرفون جميعا أنّ أفضل انتصار في الحرب هو أن تربح الحرب دون أن تخوضها. أمر أشار إليه كتاب فن الحرب ومنشأه الصين منذ أكثر من ألفي سنة، وهو كتاب يُدرَس ويُدرَّس في الغرب وكلياته العسكرية وسواها، لذا لن يخوضوا حرباً. وأفترض أنّ الحرب الحقيقية التي علينا أن نخوض على مستوى العالم هي الحرب على الفساد والفاسدين واللاقيم من أجل استعادة الإنسان إلى جوهر إنسانيته، وسلاحنا في ذلك الإرادة واللانفعية وبناء الوعي والتشبث بالقيم.
رائحة الخوف تملأ الشوارع والمدن والأزقة وتلوّث الأحياء والحياة وتقتل المناعة، وهناك من يسعى إلى متعة هزيلة سخيفة أو إلى منفعة مريضة عبر الترويج للشائعات، أو عبر تضخيم المعلومات، أو عبر استضافة غير أهل اختصاص على شاشته أو موقعه، أو بمحاولة بروز له بتحقيق سبق صحفي وترويج للأخبار السلبية الطابع والوقع. الخوف لدى الناس يزداد مع إبراز أسماء نافرة سياسياً أو فنياً أو رياضياً أو إعلامياً أصابها أو يتم الافتراض أنّها أُصيبَت بفيروس كوفيد 19. الضغط يزداد بقوّة وكأنّه يُراد أن تزداد الحاجة في النفوس إلى منقذ بأي ثمن. وعلى هامش الضغط والحرب الخفية مزيد من الضغوطات والحروب النفسية. نقرأ مثلاً أن "كورونا يرعب الأسواق.. ويكبدها خسائر بـ6 تريليونات دولار" . ونقرأ أن الاقتصاد العالمي سيفقد نمواً مقداره مائة وستين مليار دولار. ونقرأ أن العملة الإلكترونية خسرت المليارات من قيمتها. ويبدو أن الذهب والفضة كانا بالأمس من ضحايا كوفيد 19. فلنعلم أنّ كلّ هذه الخسائر ناتجة في بعض منها عن الرعب والهول والخداع والتهويل.
الرعب الاقتصادي وإنْ هو مبني على واقع ما، يتغذّى في جزء منه من مبالغة وتوتر وتوتير. ألا نلاحظ أنّه يرفع وتيرة القلق، ويضخّم الخوف، ومن نتائجه غير المعلنة ضرب المناعة الصحية. إنّه يجعل الانتظار والبحث عن مُنقذ ضرورة تشعر معها البشرية بأنها تنفست الصعداء بفضل المنقذ العظيم المفترض. وسيكون الغالي والرخيص في خدمة المختبرات، وثمناً حلالاً لدواء يردّ الخطر المحدق.
لا نريد من الإعلام ولا منصّات التواصل تجاهلَ خطورة الوباء، ولا نريد لهم مخالفة مبدأ الشفافية في الكلام على خطورة الوباء، إنّما نريد منهم التعامل حيال الوباء بشكل عِلمي مقرون بخلفية مسؤولة ترفع الجهوزية للمواجهة. فالجانب المعنوي والنفسي أساس في مواجهة كل وباء حتى على مستوى الصحة الفردية. وليُبرز الإعلام بشكل أساسي ملايين الشباب والشابات والأطقم الطبية في لبنان والعالم من ممرضات وممرضين، وطبيبات وأطباء، ومتطوعات ومتطوعين من الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وصيادلة وعاملات وعاملين في المختبرات، وكل مَن يعاونهم من فرق مساعدة كعمال التنظيفات وغيرهم. ليصوّر الإعلام ومنصّات التواصل ويُبرز الملايين من الناس العاملين في خدمة الحماية الصحية من جهة، والأمن من جهة، وتأمين احتياجات الناس من جهة.
صوّروا بطولات هؤلاء، وأظهروا أنّ الإنسان قادر على المواجهة، وأن كلّاً منّا صاحب قضية، وأننا حاضرون للمواجهة ولتحمّل النتائج بكرامة وعنفوان يليق بالإنسان. وأفضل من كلّ ذلك أن ينصرف الفنانون والمبدعون إلى زرع الفرح والابتسامة في القلوب على صفحاتهم، وفتح صفحات تأخذ المواطنين إلى الحياة والنشاط في المنازل بشكل فردي أو ثنائي أو عائلي.
إذهبوا إلى الإكثار من اللعب والحركة في حيز الحجرالذاتي، والإكثار من الفكاهة والضحك، حتى من يذهب إلى الصلاة فليفعل بفرح داخلي وابتسامة وليس من منطلق الذعر والخوف. يبدأ الانتصار على كوفيد 19 بالتغلب على الخوف.
في هذه الحرب التي تخوضها البشرية لا مكان أيضاً للخرافة والشعوذة. نقبل بأنّ من الممكن أن تستعرض بعض منصّات التواصل ووسائل الإعلام التاريخ الأسود للأوبئة. إلا أنّ بعضها في جانب من حملةٍ و"بوستات" ما، أسوأ ما فيها أن تكون بريئة، يضيف إلى هذا التاريخ رغبة في إحلال سحر الأرقام في النفوس، حيث اختارَ أربعة تواريخ من أربعة قرون، وعدّل في واحد من تلك التواريخ ليوحي بأنّ العام عشرين من كل قرن يحمل وباءًا إلى البشر. كأنّه يريد الإيحاء بأنّ هناك لعنة في الأرقام، ليزيد من الرعب في قلوب المعتقدين باللعنة والسحر. استقصيت تواريخ الأوبئة الأكثر فتكاً في تاريخ البشرية.
كان منها (مع تحفظي علىى دقة الأرقام):
1- طاعون أثينا اليونانية (430 قبل الميلاد قتل ما يقارب المائة ألف شخص). 2- الطاعون الأنطوني (165 ميلادية، استمر حتى العام 190 وقتل خمسة ملايين شخص في أوروبا).
3- الطاعون الأسود (1347 حتى 1352. قتل ما يفوق العشرين مليون شخص في العالم).
4- "طاعون لندن العظيم" (1665-1666، قتل ربع سكان المدينة).
5 - "الطاعون العظيم" -هكذا تسميته- (1720 قتل مائة ألف شخص في مرسيليا).
6- الحمى الصفراء (1793، فيلادلفيا، قتل خمسة وأربعين ألف شخص)،
7- الكوليرا (1820، جنوب شرق آسيا، قتلت أكثر من مائة ألف شخص)،
8- الجدري (1848-1849، استراليا، قتل حوالي نصف السكان الأصليين، زمن الاستعمار البريطاني، كما قتل حوالي ثلث سكان جزيرة هاواي).
9- طاعون منشوريا (1910-1911، قتل حوالى ستين ألف شخص).
10- الحمى الإسبانية (1918، قتلت ما يقارب الخمسين مليون شخص في العالم). 10- الإنفلونزا الآسيوية أو أنفلونزا هونغ كونغ (1968، قتلت أكثر من مليون شخص، منهم خمسمائة ألف من سكان هونغ كونغ).
11- الإيدز (1976، ظهر في الكونغو وأصاب حوالي الستة وثلاثين مليون شخص في العالم).
12- أنفلونزا الخنازير (2009، المكسيك).
13- إيبولا (2013، غينيا، قتل ستة آلاف شخص).
14- كوفيد 19 (2020، الصين) .
في تواريخ حصول الأوبئة الأعلى فتكاً التي سبقت "كوفيد 19"، لفتني أن الدلالات التي يمكن أن تكون مفيدة في التوقّف عندها هي:
1- ارتباط بعض التواريخ التي شهدت الأوبئة بحروب،
2- تزامن انتشار بعض الأوبئة مع مراحل معينة من تاريخ الاستعمار في العالم، وبالطبع الأمر يحتاج بحثاً معمقاً، وسيحتاج وثائق تسمح ببناء الفرضيات والاحتمالات،
3- تشير الأرقام أنّ البشرية اليوم، وبفضل وسائل التواصل وسرعة نقل المعلومة والشفافية والتقدّم العلمي، أكثر جهوزية وفاعلية وستخرج من الأزمة بأقل الأضرار الممكنة. أؤكّد على أنّه لا يجوز أن يشغل أحدٌ أذهان الناس بما يُشجّع المعتقدات الخرافية، وإلا فتح المجال أمام السحرة لمزاعم العلاج.
نأسف أنّ في بعض منصات التواصل والإعلام من هو مجرور إلى حيث يريد صنّاع الأحداث ومستثمروها في العالم. ولعلّ التهويل يخدم مصالح هؤلاء. ولنتعمّق في الغاية من التهويل الاقتصادي ومن التهويل بحرب قادمة في صراع على حكم العالم؛ التهويل الاقتصادي، رغم واقع الأضرار الاقتصادية الحاصلة، هو جزء من لعبة أرباح هائلة حصلت وستحصل، إنّه نقل لرأس المال من أيد إلى أيد، ومن شركات إلى أخرى، وربما إلى الشركات نفسها بأسماء أخرى. هذه مسألة ثانوية اليوم في معركتنا، والكلام فيها مؤجل حتى تباشير الانتصار على الوباء.
ختاماً، إنّ الحذر من الحكمة ولا مفر منه. والركون إلى المرجعيات الطبية واجب. والتعامل مع فيروس "كوفيد 19" العدو المجهول يستوجب كل استنفار، ويستوجب كل حزم في التدابير.
يجب أن نكون حازمينً في التزام المعايير العلمية ونصائح الطب غير المسيَّس. ولكن من غير المسموح به أن نقع في مصيدة الخوف، أو أن نحمل الجماعة إلى مستنقع الشلل، أو أن نقع في فخّ المعلومات الخاطئة. فالإعلام اليوم ومنصات التواصل من خطوط الدفاع الأولى في المعركة إلى جانب العلم. ومنصات التواصل إعلام رديف وذات دور مكمّل لدور وسائل الإعلام.
فلنغربل المعلومات التي تنشر، ولنتحصّن بالمنطق والوعي، ولنذهب حتى إلى المرجعيّات الموثوقة بشك علمي رغم الثقة. لا يجوز التسبب بكل تلك الأضرار المعنوية والنفسية للناس والشعوب. ولنؤسس لثقة في المعلومة ومسؤولية في التعامل معها. إنْ كان الناس لا يعقلون إلا تحت التهويل والمبالغة في التهويل فأيّ إنسان وأي وعي بَنَت الأنظمة المختلفة (السياسية، والتربوية والدينية...).
بناء الوعي والجهوزيّة للمواجهة يفترضان خروج الإنسان من الخوف. الخوف يشلّ المبادرة لدى من لم يتدرّب على العمل تحت الضغط النفسي والمعنوي، أو قد يقود إلى ردود فعل غير مفيدة.
يريد البعض من إثارة التوجّس والتخوّف والحذر سعياً إلى برّ الأمان، لكنّهم يضربون سلاحه الأول والأخير: الطاقة الإيجابية والمناعة.
في كلام سياسي على مستوى العالم نقول: لعلّ أخطر ما خلف بعض الإعلام الكارثي هو التحضير لأمور أخطر من المسمى "كوفيد 19"، أمور يشغلونك عنها بالخوف، أمور تجري أو تُدبّر في الخفاء، أو باتت تجري في العلن والكلّ غافل مشدود إلى إعلام "الساحر" - بالمعنى السلبي لمفردة الساحر.
علينا اليوم أن نغرف من عزلنا الذاتي (الاختياري أو القسري) المزيد من النضج والوعي، وأن نحمل من هذه الأزمة المزيد من الشجاعة، والغيريّة واللانفعيّة. علينا أن نتأمل بهدوء، ونثور على أنفسنا في بناء الكينونة الحرّة في مواطنة كونية، ليطيح الناس وبديمقراطية، وتحت سقف القوانين، بكل الفاسدين في السياسة والمال وبكل مريدي الدمار على مستوى العالم.
إبّان مرحلة "كوفيد 19" وما بعده، علينا أن نستعد لنقف بحزم على مستوى العالم رافضين العنف، ورافضين الحروب بأشكالها. علينا أن ننشط بقوّة في فكرنا وخططنا من أجل القضاء على الفقر والجهل، وحماية البيئة، ورفض التسلح النووي والعمل على تفكيك الأسلحة، والقضاء على الأسلحة البيولوجية، ومنع اللجوء إلى كل الوسائل الدنيئة في العلاقات بين البشر.
نريد فعلا عالماً خالياً من العنف ومن نوايا الحروب، نريد عالماً عادلاً بالفعل. ويبدأ عملنا اليوم بالمقاربة الإيجابية والاستثمار لما نحن فيه فنحوّل ما الأزمة إلى استثمار إيجابي ونزرع الفرح في يومياتنا عبر اللعب ضمن الحيز الآمن، الكتابة، الرسم ، الموسيقى، الشعر، الرياضة في المنزل أو الحديقة، الفيديوهات الكثيرة الرائعة التي تحمل الابتسامة والمتوافرة مجانا على النت.
إنّها فرصة لعالم جديد نصنعه نحن بمفاهيم التقشّف الإيجابي وبمعنى عميق وجديد لمفهوم السعادة، وبالتعاضد وترسيخ القيم وإعادة النبل إلى العلاقات مع الذات والآخر أفراداً وشعوباً.
لنكن في حال وعي وجهوزية استعداد لما بعد "كوفيد 19".
منقول عن صفحته على فايسبوك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق