أهلا بكم في غوانتانامو! - vitapsy

vitapsy

ننشر الأمل في زمن الأزمات

أهلا بكم في غوانتانامو!

Share This
أذكر أنه في بداية سيرتي المهنية، اضطررت للعمل في وظيفة مرهقة نفسيًا، بسبب طبيعة العمل الإعلامي وما نتعرض له من دفق خبري عادة ما يكون سلبيًا، فضلًا أنّ المهنة نفسها تُعدّ بيئة خصبة للتنافس "غير الأخلاقي"، لذا إياك ثم إياك ثم إياك (3 إياكات) أن تُظهر فهماً او علماً، ويا حبذا لو تلعب دور "اللمبي" وتعيرنا عقلك.
 هذا من دون الخوض في غياب علم الإدارة عن الثقافة العربية عموماً لأن العرب والإدارة "دونت ميكس".
وهكذا سجل ضغط دمي أرقامًا قياسية بحلول الـ21 من العمر، حتى احتار الأطباء في حالتي، لغياب أي سبب عضوي.
ثم اني شاهدت فيلم "الملك الأسد" وتأثرتُ بالمدعو "تيمون" وفلسفته العظيمة "هاكونا ماتاتا" وقررت بالفعل أن "أضربها طبنجة".

وبعد طول تأمل وتفكير، ارتأيت أنّ الحل هو بممارسة الهاكونا ماتاتا أفعالا لا شعارات، فخرجت من العمل مباشرةً إلى أقرب دكان، واشتريت صندوقا من أكياس "تشيبس" (تبع ال250) وصندوقا اخر من مصاصات على نكهات مختلفة، ثم عدت إلى غرفة التحرير، ووضعت بجانب حاسوبي "المؤنة" كاملة، غير آبه بنظرات الزملاء الذين أذهلتهم هذه الكمية من أكياس البطاطا في قاعة مخصصة لمتابعة أخر اخبار الكوارث في العالم.
وفي اليوم التالي، "امتشقتُ" كيسًا من الصندوق، على نكهة الملح نكاية بضغط الدم المرتفع، وبدأت اقرمشه حبة بعد أخرى بإنتظار وصول المدير، الذي كانت تربطني به علاقة "رومانسية" شبيهة إلى حد بعيد بعلاقة "هرهور" بسنفور مسكين.
وما أن أطلّ حبيب القلب، حتى باغته بكيس البطاطا، فتفاجأ "هرهور" - عفوًا أقصد المدير - وأجابني فورا: "ذكرتني بإبني الصغير يا علي" مع إبتسامة لا تخلو من سخرية كان يخصني بها دوما (أسعده الله وأبعده).
مرّت تجربة "الهاكونا ماتاتا" في يومها الأول بشكل جيد، حتى أني اذكر أن زملاء اخرين سارعوا فورا الى الدكان نفسه لشراء "مصاصاتهم" و"بطاطاتهم". ولكني شعرتُ بأن ذلك لم يكن كافيا. فحجم الضغط كان كبيرا ويحتاج إلى جرعات إضافية تفوق "النقرشة" و"المص". وهكذا تفتق لي حل عملي اخر، حيث قمتُ بكتابة عبارة "أهلا بكم في غوانتانامو" على ورقة بيضاء وعلقتها على مدخل قاعة التحرير.
وصرتُ حين أصل إلى العمل، اقرأ ما كُتب على الورقة لأتهيأ نفسيا لما ينتظرني في الساعات الثمانية اللاحقة يوميًا.
ومرّت أشهر قليلة، تركت بعدها الوظيفة نهائيا إلى غير رجعة، وها أنا اليوم على عتبة الأربعين، و بكامل صحتي العقلية وبضغط دم طبيعي.
وإن كان نموذج المدير المذكور موجود بوفرة في الحياة، ولكنّ إحساس الحرية الذي يوفره لك العمل الحر لا يضاهيه شعور اخر.
أما وقد رويت لكم قصتي هذه، فرسالتي إلى من يشكون من ظروف الوظيفة أنّ الأمر لا يستأهل منكم كل هذا "الإحتراق النفسي". 
تذكروا دوما ان وظيفتكم رأسمالها "مصاصة" و "أهلا بكم في غوانتانامو!".






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق