ما هي الأسباب النفسية للعنصرية؟ - vitapsy

vitapsy

ننشر الأمل في زمن الأزمات

ما هي الأسباب النفسية للعنصرية؟

Share This

قُتل "العملاق اللّطيف" كما يصفه رفاقه وهو يردّد " لا أستطيع التنفّس". جورج فلويد، مواطن أميركي مِن أصل أفريقي، توفي في الولايات المتحدة الأميركيّة أثناء تثبيته على الأرض بغية اعتقاله مِن قِبَلِ شُرطي أبيض، وذلك بسبب الضّغط على عنقه. التّسع دقائق مِن الضّغط كانت كفيلة بإنهاء حياته.
نُشير إلى أنّها ليست الحادثة الأولى ضدّ رجل أفريقي في الولايات المتحدة ، هناك حالة مُشابهة تماماً، حصلت سنة 2014 ، مع المواطن الأميركي مِن أصل أفريقي إريك غارنر، حيث حصل السيناريو ذاته وكرّر غارنر عبارة " لا يمكنني أن أتنفّس " أحد عشرة مرّة، قبل أن يُسلِم الرّوح.
مقتل فلويد، أيقظ الشعور بالعنصريّة، لذا، شهدت البلاد تظاهرات، للإحتجاج على وحشيّة الشّرطة. لم تخلو هذه الإحتجاجات مِن العنف والتّكسير خلال الإشتباكات. كما وعَلَت المطالبات بالعدالة.عشرات الآلاف احتجّوا على العنصرية في تظاهرات سلميّة في أميركا، أوستراليا ولندن، رغم التّحذيرات مِن التجمّع خشية انتقال ڨيروس كورونا.
صحيفة الغاردن، حلّلت العنصريّة في الولايات المتّحدة، وأشارت إلى أنّ أفضل الطّرق لمواجهتها ترتكز على التّعلّم مِن تجربة مارتن لوثر كينغ، الذي قُتل سنة 1968 ، قبل أن يُلقي خطبة الأحد في أبرشيّة أتلانتا بعنوان " لماذا قد تذهب أميركا إلى الجحيم" . بمقتله، شهدت البلاد أكبر موجة مِن الإضطرابات الإجتماعيّة. وأكّدت الصّحيفة، أنّ الإحتجاجات وأعمال الشغب، هي  
 لغة "غير مسموعي الصّوت" وحذّرت مِن التّراخي في تحقيق العدالة ونبذ العنصريّة.

و يؤكّد المؤرّخ Georges Fredrickson ، في جامعة  Stanford على المفارقة بحيث أنّ مبادىء المساواة البشريّة شكّلت الشّروط الأوّليّة لظهور العنصريّة.
تتكوّن العنصريّة مِن مجموعة مِن النظريّات والمعتقدات التي تُشكّل تسلسلاً هرميّاً لمختلف الأعراق  والإتنيّات. وتُترجم باعتماد سلوك عدائي قد يصل إلى العنف والإزدراء لِمَن ينتمون إلى أعراق وإتنيّات مُختلفة، غالباً ما ينظرون إليها بطريقة دونيّة. وعليه، منهم مَن يَنسب القدرات الذهنيّة والأخلاقيّة وفقاً لِلَون البشرة أو الدّين.مثلاً التأكيد على براعة أحدهم بالعلوم لأنّه مِن آسيا.
وهي إذاً، تعتمد التمييز على أساس العرق أو اللّون أو النّسب أو الأصل القومي أو الإتني .

عادةً، الأزمات تُعيد إظهار العنصريّة، بالأفعال والكلمات. وهي بشكلٍ  عام تتعدّى كونها فرديّة، لتوحّد مجموعة بكاملها في  ظلّ شعاراتِ وأفكارٍ وتصرّفاتٍ واحدة.
في مرحلة مُعيّنة، شُرّعت العنصريّة لِسبَبَين: الخوف والمصلحة. وذلك لتأمين الحماية مِن الآخر، إمّا عبر الحذر مِن تصرّفاته المرتقبة، وإمّا مُهاجمته ورفض وجوده. وإذا أردنا استعمال مُفردات التحليل النّفسي  نقول إنّ العنصريّة تسمح بتحقيق وإثبات الذات، الفرديّة والجماعيّة. هي تُطبّق مع الكثير مِن الظلم خصوصاً وأنّ الحاجة للأمان تُساهم بانحدار المبادىء والأخلاق.
وقد تبدأ أيضاً، بالعدائيّة وتكريس الفروقات البيولوجيّة أو غيرها لتبرير فِعلهم.

هل مِن علاقة بين العنصريّة والصحّة؟
أظهرت دراسة أجريت في الولايات المتحدة أن دفعة مُتخرّجي سنة 1970 في جامعة Yale ، تُظهر أنّ أغلبيّة المتخرجين السود قد توفّوا، على عكس زملائهم البيض. في الأرقام ، مُعدّل وفيّات السّود يفوق ثلاثة أضعاف وفيّات البيض. الأسباب مُتنوّعة، أهمّها ، صعوبة حصول أصحاب البشرة الدّاكنة المتابعة الطبيّة، مع الإستخفاف، آنذاك ، بالعوارض التي تظهر لديهم. مردّ ذلك إلى العنصريّة السّائدة. ولفتت الدّراسة إلى الإعتداءات شبه الدّائمة التي يتعرّضون إليها تؤثّر سلباً على صحّتهم النّفسيّة والجسديّة . بما في ذلك الإكتئاب، قلّة الثقة بالنّفس، إرتفاع ضغط الدّم، أمراض القلب، أوجاع في البطن، القرحة وعوامل تُفاقم مرض السرطان.
في المقابل تؤكّد دراسة أجريت بين 1987 و 2007 ، آثار العنصرية على الصحّة الجسديّة والنّفسيّة. وفي بعض الحالات، يُصار إلى اعتماد تصرّفات غير صحيّة عند الذين يُعانون مِن التمييز العنصري والظلم، مثل الإدمان على التّدخين، الكحول، الشّراهة التي تؤدّي إلى زيادة الوزن. بالمقابل تنخفض الممارسات الصحيّة كممارسة الرّياض والنّوم لساعاتٍ كافية.

تقديم العنصرية تُجاه فئة مُعيّنة عبر وسائل الإعلام ،مِن شأنها أن تجعل المتابعين المُتلقّين والمُنتمين للمجموعة عينها، يعيشون هذا الإعتداء بشكلٍ سلبيّ، قد يؤدّي إلى عوارض مرضيّة.
في حين أنّ الهوية المعطاة لبعض الأشخاص وفقاً للمجموعة التي ينتمون إليها، قد تُلحق بهم الأذى وتُعرّضهم للإجهاد واامعاناة مِن أوجاعٍ جسديّة ذات أسباب نفسيّة. علماً أن الحريّة النفسيّة، المقصود بها، أن يعرف المرء انتماءه إضافة إلى رأي المجتمع به، تكون مُقيّدة عند الذين عانوا مِن العنصريّة. لا بل نراها تخلق عندهم، خوفاً مِن أن يعيشوا الظّلم مرّة أخرى. كما وأنّها تزيد هواجسهم وتقيّد حريّتهم، بشأن الأماكن التي يرتادونها، والمدارس التي سيسجّلون فيها أولادهم على سبيل المثال.

ما مدى قوّة العلاقة بين العنصريّة وتقدير الذّات؟
أكّدت دراسة Clarc & Clarc ، سنة 1947 ، أنّ ثلاثة أرباع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و 7 سنوات ، المنتمون إلى العائلات ذات العرق الأسود، في الولايات المتحدة، يفضّلون الدّمى ذات البشرة البيضاء أكثر مِن تلك السّوداء. علما ً وأنّه في عمر ال 3 سنوات يستطيع الطّفل تحديد لون اللّعبة الأقرب إلى بشرته.  وتُضيف الدراسة، أنّ هؤلاء الأطفال يتعذّبون ويُعانون مِن الشّعور بالدونيّة لأنهم عانوا مِن التمييز العنصري بسبب بشرتهم الدّاكنة. وبالتّالي هويّتهم الإجتماعيّة لا قيمة لها في نظرهم. إذاً هم يفتقدون  إلى تقديرهم لذاتهم الذي يعتبره الإختصاصيّون النّفسيّون من الحاجات الأساسيّة للكائن البشري.
كما وتُبَيّن دراسة، أجراها معهد أبحاث بيو سنة 2019 أنّ ثمانية مِن كل عشرة مِن المواطنين السّود البالغين، يقولون إنّ إرث التّمييز العنصري ما زال يؤثّر على حياتهم. ويقول نصف مَن شملتهم الدّراسة، إنّهم لا يتوقّعون أن تكون هناك مُساواة في الولايات المتحدة في أيّ يوم.

حتّى يومنا هذا، ورغم كل التطوّر التكنولوجي، لا يزال وقع العنصريّة قوي، فهي تقتل تُفرّق- أهمّ مثال مقتل فلويد - وتُهين، رغم كل النّصوص الدّوليّة التي تُكرّس حريّة واحترام حقوق الإنسان والقوانين التي تُعاقب الظّالمين في هذا المجال.هناك إذاً، عدم قدرة لتأمين حماية فعليّة للضحايا.
لمُحاربة العنصريّة، لا بدّ مِن تضافر جهود الجمعيّات، الحقوقيين، الإعلاميّين. واتّخاذ القرارات المحض انسانيّة وعدم التساهل عند أيّ خرق. مع ضرورة أن يترافق ذلك في التربية المدرسيّة التي ترتكز على تقبّل الآخر رغم اختلافه.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق